الأربعاء 7 أكتوبر 2015 04:10 ص

كان هناك رد فعل مشترك في إلقاء اللوم على أوروبا بسبب أزمة اللاجئين الحالية عبر التساؤل: كيف يمكن للدول الغنية في أوروبا الغربية أن تسمح بمثل هذه المأساة؟ وفي الآونة الأخيرة، تحولت وسائل الإعلام باتجاه الشرق الأوسط ولكن ليس إلى نظام «بشار الأسد» في سوريا أو «الدولة الإسلامية»، بل إلى الدول البترولية الثرية في منطقة الخليج العربي.

وتسأل صحيفة «شيكاغو تريبيون»: «لماذا لا تستقبل دول الخليج المزيد من اللاجئين؟» والاتهام الأكثر مباشرة يأتي من «واشنطن بوست»: «أغنى الدول في العالم العربي لا تفعل شيء للاجئي سوريا».

وترفض الحكومات الخليجية والمواطنين الخليجيين الانتقادات، مشيرين إلى التبرع بأكثر من 2 مليار دولار في مجال المساعدات الإنسانية واستقبال عشرات الآلاف من السوريين، ناهيك عن المصريين واليمنيين وغيرهم من العرب الذين وجدوا ملجأهم السياسي والاقتصادي في الخليج منذ عام 2011.

ويضيف أحد المسؤولين الكويتيين: «إن بلدان الخليج لا تصلح إلا للعمال»، ويعقب: «نحن لا نريد من الناس الذين يعانون من التوتر الداخلي والصدمة أن يأتوا إلى بلادنا».

ويشير مراقبون أن قادة الخليج غير مستعدين للمخاطرة بالاستقرار السياسي والاقتصادي الخاص بهم من خلال إيواء الأفراد الذين شردتهم الصراعات ذاتها والحروب بالوكالة التي لا تزال تؤجج بالمال والسلاح.

فلا يوجد من بين دول مجلس التعاون الخليجي الست البحرين، الكويت، عمان، قطر، المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة من قام بالتوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين قبل حدوث هذا الوضع الأخير. والسؤال هو كيف يمكن توقع تقديم الحكومات الخليجية اللجوء إلى فئة من الأفراد وهي لم تعترف بذلك عبر التوقيع على هذا الحق.

الحقيقة أن هناك عدم توافق أساسي في النماذج السياسية والاقتصادية الخليجية لاستيعاب فئة اللاجئين. وأن دول الخليج، على الرغم من ثرواتها الأوسع نطاقا والموارد الكبيرة ، لم تقبل رسميا طالبي اللجوء من سوريا أو أي مكان آخر سوى وفق نظام (الكفيل) الذي ينظم إقامة العمال المهاجرين في دول مجلس التعاون الخليجي ويحافظ على مركز الأجانب في حالة مؤقتة ومنفصلة عن السكان المحليين.

الكفالة هي الحل

وتعد الكفالة حلا للتوفيق بين الدوائر المجتمعية المتنافسة، فالمواطنين ما زالوا حذرين من التعدد الثقافي. ولكن رغبة بمزيد من الفوائد للاقتصاد الريعي المتقدم؛ فإن رجال الأعمال والنخب السياسية، يسعون إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والأرباح. يواجه اليوم انتقادات حادة على أوضاع العمال في ملف نهائيات كأس العالم في قطر عام 2022 على سبيل المثال.

منذ بداية الإنتاج التجاري للنفط في منتصف القرن العشرين، ودول الخليج العربي، لديها حاجة عالية لاستيراد العمالة من ذوي المهارات المتدنية. وعومل ذلك في البداية كحل مؤقت ضروري، وظلت العمالة الأجنبية تلعب دورا أساسيا في إنشاء والمحافظة على البنية التحتية المادية والاجتماعية الحديثة في الخليج في القرن الحادي والعشرين. خلال السبعينيات قدم الكثير من العمال، لكن مع مرور الوقت أصبحت العمالة أقل جاذبية.

مرت ظروف العمال بعدة قضايا فأولا، بدعم من الحركات اليسارية، طالب العمال العرب بمزيد من المشاركة السياسية والاقتصادية في دول الخليج، بما في ذلك الطريق نحو المواطنة. ولكن في الدولة الريعية، فإن الكثير من المواطنين يعني تخفيف الموارد المالية التي يتمتع بها الحكام وتوزع (جزئيا) على المواطنين.

اليوم، لا تزال المواطنة أمرا يكاد يكون مستحيلا بالنسبة للأجانب في الخليج، بغض النظر عن الأصل القومي أو مستوى المهارة. قطر، على سبيل المثال، تقبل تجنيس 50 من الأفراد في السنة؛ والدول الأخرى تفرض قيودا مماثلة رسمية أو غير رسمية.

ثانيا، وبنفس الأهمية، يعرف العمال الأجانب العرب على أنهم أكثر نشاطا سياسيا من عرب الخليج. مع ميل نحو الناصرية والأيديولوجيات القومية العربية الأخرى، وهذا كان له تأثير خطير على المواطنين. على سبيل المثال، أدى انتشار القومية العربية بين الكويتيين في الخمسينيات والستينيات إلى حث الحكومة لبدء برنامج التجنيس الجماعي لبعض البدو من الصحراء المجاورة ليكونوا بمثابة الكتلة الموالية للحكومة التي يمكن الاعتماد عليها في البرلمان في وجه المعارضة المتزايدة.

وتزيد المخاوف بشأن النفوذ الأجنبي في عقول حكام الخليج. ففي عام 1991، عندما اتهمت الكويت العمال الفلسطينيين في البلاد بدعم الغزو العربي القومي من «صدام حسين». فقام الكويت بعد الحرب، بطرد نصف مليون فلسطيني. وطردت السعودية أيضا ما يقرب من مليون عامل يمني بعد دعم الرئيس اليمني المخلوع «علي عبد الله صالح» للعراق في الحرب.

هذه العوامل نفسها التي جعلت العمال من جنوب آسيا أكثر جاذبية. فالعمال الآسيويون خفضوا توقعات الأجور، كما أنهم ليس لديهم أي مطالب بخصوص المواطنة أو الاندماج المجتمعي.

على الرغم من أن العديد من العمال الآسيويين مشتركين في الإسلام كدين (مما ساعد على تخفيف المخاوف بشأن التعدي الثقافي)، ولكن ينظر إليهم على أنهم أقل احتمالا أن يكونوا من المجندين كناشطين سياسيين أو محتملين للحركات اليسارية والإسلامية التي يهيمن عليها العرب.

ونتيجة لنظام الكفالة تم تقسيم المهاجرين بنظام متوازن بدقة في أسواق العمل الخليجية، عبر مطابقة جنسيات معينة لأنواع معينة من المهن. وينظر إلى هذا النظام باعتباره إنتاجا غير مستقر اقتصاديا وسياسيا ولكنه قابل للحياة من الناحية السكانية.

الحفاظ على هذا التوازن في نظام الكفالة هو عمل الحكومات الخليجية. في عام 2013، على سبيل المثال، تنامى الاستياء من ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض عائدات النفط، وطردت المملكة العربية السعودية 300 ألف من  اليمنيين، ظاهريا بسبب تجاوز مدة التأشيرة. وفي عام 2014، رضخت عمان لضغوط مماثلة، وأعلنت اللائحة الجديدة عبر مضاعفة إنفاذ القوانين القائمة التي تهدف إلى الحد من غير المواطنين إلى ثلث السكان بحد أقصى.

قبول العرب

مع وضع التوازن الاقتصادي الدقيق جانبا، فإن فكرة استبدال بعض من مهاجرين غربي آسيا من ذوي المهارات المنخفضة مع الأجانب العرب يعني من زاوية واحدة على الأقل: زيادة التماسك المجتمعي.

غالبية مواطني دول الخليج لا يزالون محافظين دينيا وثقافيا كما أنهم يشعرون بالقلق إزاء التآكل المحتمل للهوية والقيم التقليدية. ويخشى الكثيرون أيضا حول النوايا السياسية والعسكرية الغربية في المنطقة، وقد تضخمت هذه المشاعر بعد التقارب بين الولايات المتحدة مؤخرا وإيران. والنتيجة هي توتر كامن ومفتوح أحيانا بين المجموعات الاجتماعية المختلفة في المجتمعات الخليجية، سواء في الأماكن العامة وأماكن العمل.

وبالفعل، تشير استطلاعات الرأي باستمرار إلى قبول أكبر من مواطني دول الخليج بالعرب من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر من تلك الجماعات من الجنسيات الأخرى. وعلى سبيل المثال، هناك دراسة أجراها معهد المسح الاجتماعي والاقتصادي للبحوث في جامعة قطر في عام 2012 أشارت إلى أن 82% من القطريين وافقوا أن «عدد متزايد من العمال غير العرب يهدد العادات والقيم القطرية التقليدية». فقط 45% وافق عند طرح السؤال نفسه حول العمال العرب الأجانب. وطلب من المستطلعين بالإضافة إلى ذلك تحديد كم عدد العمال من البلدان العربية خارج منطقة الخليج تعتقد أن قطر من الممكن أن تسمح لهم ليأتوا للعمل في قطر؟ الجواب جاء أكثر بكثير من أي مجموعة أخرى، حيث دعا 38 في المائة من القطريين إلى «السماح للعديد منهم » ودعا 47% إلى «السماح لبعض» العمال العرب. وعلى النقيض من ذلك، أراد 12% فقط من الدولة السماح للكثير من العمال الآسيويين، وهذه النسبة انخفضت كذلك إلى 10% للعمال الأميركيين والأوروبيين، وستة في المائة للعمال من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

في مسح منفصل أجري في عام 2014 تم التوصل إلى أن المواطنين القطريين لديهم «ثقة» أو «ثقة عالية» في المغتربين العرب بنسبة (88%) أكثر من أي مجموعة أخرى. أما الوافدين من الدول الغربية والأفراد من شبه القارة الهندية، من ناحية أخرى، فقد تلقوا تصنيفات ثقة أقل بكثير، وتصل لحوالي 46% و50% على التوالي.

قد تكون مخاوف الحكومات الخليجية التاريخية من النشاط السياسي للمغتربين العرب تفوق المخاوف العامة حول العمال الأجانب غير العرب. ولكن حتى مع مثل هذه الحسابات السياسية المتغيرة، يوجد هناك معوقات هيكلية اقتصادية لقبول أعداد كبيرة من العمال العرب واللاجئين. لنأخذ حالة طالبي اللجوء السوريين، فإن هؤلاء الأفراد من غير المرجح أن يقبلوا الأجور أو ظروف المهاجرين ذوي المهارات المتدنية الحالية من جنوب آسيا وهي خيارات غير مقبولة اجتماعيا مث لخدم المنازل، وكذلك مثل المربيات والطباخين، والسائقين.

يفترض أن المؤهلين للعمل في مهن من ذوي المهارات العالية مثل المدرسين أو الممرضات سيكونون غير راغبين في العمل اليدوي، ذي الأجور المنخفضة، ومعظم اللاجئين ربما يصلحون في مكان ما في منتصف الكم الهائل من المهن التجارية، مثل حقول النفط و إنشاءات البناء. ولسوء الحظ، فإن هذا التوقيت غير ملائم. عائدات النفط والغاز في انخفاض بمقدار النصف في عام 2015. وقطر للبترول بدأت في مشروع إعادة الهيكلة التي ستخفض الآلاف من فرص العمل، بما في ذلك المئات من المواطنين. كما ألغت الشركة مؤخرا مشروعا للبتروكيماويات بقيمة 6.4 مليار دولار. الطلب على عمال النفط ، المهرة أو غير المهرة، في الخليج في انخفاض. وعلاوة على ذلك، فإن التدهور الاقتصادي للطاقة من المرجح أن يحدث انخفاضا في العديد من الصناعات، وبخاصة قطاع الخدمات الذي يعد وضعه مؤهلا لاستيعاب الوافدين العرب.

إن استيعاب 30 ألف لاجئ في بلد خليجي صغير مثل قطر يحتاج لجهد ضخم فهو ليس مثل ألمانيا ذات الـ 80 مليون نسمة

فقطر تكافح لمواكبة الوافدين الجدد. والخدمات الصحية والتعليمية العامة هي بالفعل تحت ضغط شديد، وقدر كبير من الجهد يذهب إلى فحص العمال، بما في ذلك الفحوص الطبية، وتحريات الشرطة، وإعداد وثيقة التصديق.

وباختصار، فقد دعا عدد متزايد من المواطنين والمعلقين الحكومات الخليجية وغيرها لمعاملة كريمة مع اللاجئين السوريين. لكن من غير الواضح بالضبط أين يمكن أن يصلح اللاجئون في أسواق العمل الأكثر تنظيما والمجزأة في منطقة الخليج، علما بأن اللاجئين العاملين في هذه الأسواق هم في واقع الأمر أكثر عرضة لإلغاء التعاقد بسبب التحول الدراماتيكي في أسعار النفط. ودول مجلس التعاون الخليجي من المحتمل أنها تخشى من تحد محتمل يضر الاستقرار الاجتماعي والسياسي بسبب أي تدفق جماعي للاجئين لاسيما فيما يتعلق بالنشاط السياسي فهو غير مرحب به. إضافة للشروط التي تتضمنها أنظمة وقوانين الكفالة.

بطبيعة الحال، فإن اهتمام وسائل الإعلام المستمر والنقد سيدفع واحدة أو أكثر من حكومات الخليج لتغيير المسار. ربما غدا، زعيم خليجي يعلن أنه قد قبل مليون لاجئ سوري، للعيش في مخيمات مكيفة الهواء في الصحراء مع الدعم الحكومي السخي. ومع ذلك، فمن الواضح أن مثل هذا القرار سيكون قد تم إما في إطار التحرك الدبلوماسي المحنك أو هو إيثار خالص لأنه لا يوجد مكان للاجئين في نظام الكفالة.

اقرأ أيضاً

«ترامب» يتعهد بترحيل اللاجئين السورين حال انتخابه رئيسا للولايات المتحدة

مجموعة السبع ودول خليجية تتعهد بتقديم 1.8 مليار دولار للاجئين السوريين

هل تخشى المملكة العربية السعودية اللاجئين السوريين؟

برلمان المجر يسمح للجيش بإطلاق النار لحماية الحدود من اللاجئين

«واشنطن بوست»: لماذا لا تحاسب دول الخليج الغنية على أزمة اللاجئين السوريين؟

لماذا تغلق دول الخليج أبوابها أمام اللاجئين السوريين؟

«كوارتز»: على السعودية ودول الخليج فعل المزيد من أجل اللاجئين السوريين

عمدة كندي: على بلادنا أن تفتح ذراعيها للاجئين السوريين أيا كانت ديانتهم

تضامن سعودي على «تويتر» في أعقاب تدشين وسم مسيء للاجئين السوريين

الأردن يرد على مناشدة الأمم المتحدة: «حدودنا مفتوحة أمام اللاجئين»

«ستراتفور»: لماذا لا يمكن أن تحل مشاكل اللاجئين عبر إغلاق الحدود؟

الأمير «تركي بن طلال»: مليونا سوري في السعودية

اتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي لتخفيف أزمة الهجرة