الاثنين 2 نوفمبر 2015 04:11 ص

انتهى «اجتماع فيينا» في نسخته الثانية وبمشاركة سبع عشرة دولة تضم الدول العظمى في النظام الدولي، والدول الإقليمية الكبرى في الشرق الأوسط ودول جوار سوريا والدول المنخرطة في الصراع السوري، إضافة إلى ألمانيا وإيطاليا والإمارات وقطر وعمان، لكن تداعياته لن تنتهي قريبا.

فتح «اجتماع فيينا» الباب أمام زخم يمكن نظريا التعويل عليه للوصول إلى تسوية سياسية في حال توافقت حسابات الطرفين الروسي والأميركي.

في الوقت ذاته، لا يمكن استبعاد احتمالية الانتكاس إلى حرب جديدة بالوكالة بين واشنطن وموسكو على الأرض السورية، في حال تبدد زخم التسوية المتولد عن «اجتماعات فيينا» المتتالية.

ولئن كان معلوماً أن الحرب الأهلية في سوريا التي استمرت لما يقارب الخمس سنوات لا يمكن أن تنتهي ويتم الوصول إلى تسوية سياسية لها في اجتماعين اثنين، إلا أن الإعلان عن اجتماع ثالث خلال أسبوعين يعني أن الفجوة التي تفصل مواقف أميركا وروسيا ليست بالضرورة عصية على التجسير. ويعني الإعلان عن موعد اجتماع ثالث أيضاً، أن ما طرحه الروس كأساس للتسوية السياسية يمكن أن يصبح مقبولاً أميركياً عند إضافة تعديلات عليه.

تكتيكات أميركا التفاوضية

تعي واشنطن أن الدخول في مفاوضات سياسية حول سوريا من دون شروط مسبقة تعني في الواقع أن روسيا والنظام السوري سيدخلانها مرتاحين، وأن النظام السوري الذي لم يسقط بالقوة العسكرية للمعارضة، سيصعب إجباره على التسليم بالتغيير بعد بداية مثل هذه المفاوضات غير المشروطة. لذلك استهلت واشنطن وتحالفاتها الإقليمية «اجتماع فيينا 1» بالبحث ليس في مبدأ رحيل الأسد من عدمه، وإنما التفاوض حول الفترة الزمنية التي سيبقى فيها بالسلطة ضمن المرحلة الانتقالية ستة شهور أم سنة أم سنة ونصف.

هنا تركت واشنطن الفرصة للرياض وأنقرة كي تتشددا في تقصير مدة الفترة الانتقالية، للضغط على روسيا كي تقدم تنازلات مسبقة تعدل من ميزان القوى المختل على الأرض لمصلحة روسيا والنظام السوري. بالتوازي مع الشروط المسبقة، حرصت واشنطن على توسيع المشاركة في «اجتماع فيينا 2» ليصبح اجتماعاً دولياً ـ إقليمياً؛ وليس اجتماعاً أميركياً ـ روسياً كما ترغب موسكو.

في هذا الإطار، شاركت الدول الأوروبية الأعضاء في مجلس الأمن إنكلترا وفرنسا، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي ومنسّقة سياسته الخارجية موغيريني وإيطاليا محطة اللاجئين الأولى، وألمانيا أكبر مستضيف للاجئين السوريين، وهي مشاركة تروم توزيع أعباء مواجهة روسيا على حلفاء واشنطن الغربيين.

كان لافتا أن واشنطن وجّهت الدعوة إلى إيران للمشاركة في الاجتماعات برغم المعارضة السعودية لذلك، ليس فقط لأنه لا يمكن عمليا ونظريا التوصل إلى تسوية سياسية في سوريا من دون إيران الحاضرة وتحالفاتها على الأرض، ولكن بالأساس بغرض توسيع التناقض الروسي ـ الإيراني حول من يمسك بورقة النظام السوري.

تعلم واشنطن أن هناك تنسيقاً روسياً ـ إيرانياً حول سوريا، ولكنها تعلم أن مصالح موسكو وطهران لن تظل متطابقة حولها إلى الأبد.

وتعني مشاركة إيران في «اجتماع فيينا 2» أن ينتقل التعاون الإيراني ـ الأميركي خطوة علنية جديدة بعد إبرام الاتفاق النووي، وهي خطوة سيكون على موسكو كما على دول الخليج العربية التوقف عند دلالاتها ومعانيها.

كانت تصريحات وزير الخارجية البريطانية المتقاربة مع الموقف الأميركي معروفة مسبقاً، مثلما كانت المزايدة الفرنسية المعتادة متوقعة بغرض الحصول على مكاسب اقتصادية من السعودية ودول الخليج ومكاسب سياسية في الداخل الفرنسي من إسرائيل، كما فعلت أثناء المفاوضات النووية بين إيران والغرب، ولم يمنعها إبرام الاتفاق في النهاية من الحصول على صفقات اقتصادية من إيران أيضاً.

باختصار، صبّت مواقف كل من إنكلترا وفرنسا خلال «اجتماع فيينا 2» والمتوقعة سلفاً في تكتيكات واشنطن التفاوضية أيضاً.

وبرغم تكتيكات أوباما التفاوضية المحبوكة نوعاً ما، إلا أن غياب استراتيجية أميركية واضـــحة حيال التدخل الروسي في المشرق العــربي كان فاقعا في فيينا، ولا يمكن للتكتيكات مهما بدت حاذقة التعمية عليه.

خيارات أميركا الأربعة

تعود أسباب الورطة الأميركية في سوريا إلى محدودية خياراتها والتكلفة السياسية المصاحبة لها، وليس فقط إلى أن أوباما قد أصبح في سنته الرئاسية الأخيرة «بطة عرجاء»، وهو كذلك بالفعل. تنحصر خيارات واشنطن في أربعة:

أولا: عدم القيام بأفعال جدية من شأنها التأثير على موازين القوى على الأرض السورية، الأمر الذي سينتهي ـ في حال استمرار العمليات العسكرية الروسية ـ بانتصار النظام مدعوماً من روسيا وإيران على المعارضة وإنهاء الحرب الأهلية بهذه الطريقة. ولا يخفى أن النظام السوري تجاوز مرات عدة «الخطوط الحمر» التي حددها أوباما، ما يعني هزيمة كبرى لأوباما وأميركا، وبالتالي فمن غير المحتمل أن ترسي سياسة أوباما ثقلها على هذا الخيار.

ثانيا: التحالف مع إيران والنظام لمحاربة تنظيم «داعش» الإرهابي، وهو خيار له ثمنه الكبير على تحالفات أميركا الإقليمية في الشــــرق الأوسط، وبديل سيصعب للغاية تسويقه في واشنطن، ناهيك عن أنه سينسف فرص المرشح «الديموقراطي» في انتخابات الرئاسة الأميركية في العام 2016.

ثالثا: توجيه ضربات جوية أميركية ضد النظام السوري، والتدخل برياً مع القوات التركية والسعودية لإسقاطه. لم يعتمد أوباما هذه الإمكانية في أي وقت خلال الحرب الأهلية في سوريا وسنواتها التي تقارب الخمس، حتى مع تخطي النظام السوري لخطوط أوباما الحمر، بسبب رغبة الأسمر النحيل في الخروج عسكرياً من الشرق الأوسط وعدم التورط في حرب جديدة فيه. كما أن التدخل العسكري الروسي المستجد جعل هذه الإمكانية تساوي الصفر تقريباً، لأنها ستعني مواجهة عسكرية مباشرة أميركية ـ روسية على الأرض السورية. ويمكن القول إن خطة بوتين السورية استهدفت أساسا سحب هذه الإمكانية من التداول، نظرا لتخوف موسكو من تأثير سعودي ـ تركي على إدارة أوباما لموازنة الاتفاق النووي مع إيران بتعديل في ميزان القوى الإقليمي عبر البوابة السورية، ما قد يجعل هذه الإمكانية خياراً مطروحاً على طاولة البحث الأميركية.باختـصار، يبقى احتمال الضـربات الجـوية الأميركية للنظام السوري غير وارد عملياً.

رابعا: الاستمرار في دعم المعارضة المسلحة أو حتى زيادتها كمياً ونوعياً، ما سيطيل أمد الحرب الأهلية في سوريا ويستنزف قدرات موسكو فيها. وينطوي هذا الخيار، الأقرب للتصور أن واشنطن ميالة إليه، على مروحة احتمالات تبدأ من منع روسيا من ترجمة تفوقها الجوي إلى مكاسب على الأرض كما يجري الآن، مرورا بتزويد المعارضة المسلحة بصواريخ محمولة على الكتف مضادة للطائرات، وليس انتهاء بتحويل سوريا إلى مستنقع جديد لروسيا بعد المستنقع الأفغاني. ويتميز هذا الخيار الراجح أميركيا بأنه يسمح لإدارة أوباما بالتعامل مع روسيا وفقا للتطورات، إما تسوية سياسية تقبلها واشنطن، أو تصعيد عسكري تشارك واشنطن في التحكم بإيقاعه.

في هذا السياق، يمكن فهم الإعلان الأميركي عن إرسال مستشارين عسكريين إلى سوريا يقدر عددهم بخمسين مستشاراً، في لفتة بأن واشنطن لم تترك الملعب السوري تماماً، وفي الوقت نفسه يعي أوباما أن هؤلاء المستشارين لن يغيروا ميزان القوى في سوريا جوهرياً، ما يعني أن التكلفة السياسية لهذه الخطوة الرمزية في مواجهة روسيا متدنية للغاية، وتستهدف ربما هدفاً ثانوياً مفاده تثبيت توازن كردي ـ تركي جديد في سوريا.

الخلاصـة

كشفت «اجتماعات فيينا 2» عن وجود تكتيكات أميركية تفاوضية للتعامل مع التغيير العميق الذي أحدثه التدخل العسكري الروسي في ميزان القوى السوري والإقليمي، ولكنها تبقى بحسب توصيفها مجرد تكتيكات لا ترقى إلى مستوى استراتيجية أميركية واضحة للتعامل مع التحدي الروسي في الأزمة السورية.

ويشي غياب الاستراتيجية أن إدارة أوباما في مأزق يصعب أن تخرج معه رابحة، خصوصا أن ما في جعبتها لا يتجاوز التكتيكات وأن موازين القوى على الأرض الســــورية تميل لغير مصلحتها حتى الآن.

لذلك فمن غير المستبعد أن نشهد خلال الأسبوعين المقبلين، حتى موعــــد الاجتماع المقبل حول سوريا، محاولات تكتـيكية لحلفاء واشنطن في الوصـول إلى تعديل نسبي لموازين القوى على الأرض، لإسناد المواقف التفاوضية في الاجتماع الثالث.

اقرأ أيضاً

مباحثات فيينا: ما الذي تأمل أطراف الصراع في تحقيقه؟

«ستراتفور»: قمة فيينا والقضايا الكبرى في الأزمة السورية

«فورين بوليسي»: «بوتين» هو من أرسل القوات الأمريكية إلى سوريا

«الجبير»: «الأسد» سيرحل سياسيا أو عسكريا وسنختبر نوايا روسيا وإيران في فيينا

«لقاء فيينا الرباعي» يفشل في تحديد مصير «الأسد» ويتفق على استمرار المشاورات

الأردن في فيينا .. أية أولويات؟!

السعودية تأمل في توصل اجتماعات فيينا إلى اتفاق يضمن لسوريا مستقبل أفضل

موسكو: مصير «الأسد» بيد السوريين ولا نحدد بقاءه أو رحيله

«بلومبيرغ»: المناوشات السعودية الإيرانية في فيينا

وزير الخارجية القطري يبحث مع نظيره الفرنسي الأزمة السورية

«عبد اللهيان» يزور موسكو للتحضير لاجتماع فيينا بشأن سوريا

طهران تخفض مستوى تمثيلها في اجتماع فيينا و«عبد اللهيان» يمثلها

«رويترز»: الشيطان يكمن في التفاصيل قبل اجتماع فيينا

خطوة في مسيرة الألف ميل

«ستراتفور»: عوائق كبرى في طريق البحث عن حل في سوريا

سوريا في السياسة الأميركية

«بروجيكت سينديكت»: كيف يمكن التعامل مع حربين مختلفتين في سوريا؟

فيينا.. الحلقة المفقودة بين قتال «الدولة الإسلامية» وتحقيق السلام في سوريا

«كيري»: عقد الاجتماع الثالث حول سوريا في نيويورك الشهر الجاري

كيف يتم توظيف «الأسد» و«الدولة الإسلامية» في اللعبة الكبرى الدائرة في سوريا؟