جنة غسيل الأموال.. كيف تساهم الإمارات في دعم الجرائم المالية؟

الأحد 6 مارس 2022 07:04 م

يعاني النظام العالمي لمكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال، من عوائق وثغرات كثيرة، تحول دون ملاحقة الأموال المشبوهة، وهو ما يحتّم على الحكومات العمل بجدية أكبر وتعزيز التعاون فيما بينها للتصدي لهذه الآفة العالمية.

إلا أن الوضع في الإمارات، قد يبدو مغايرا بعض الشيء، حتى باتت الدولة الخليجية "جنة غسيل الأموال"، بعدما كُشف النقاب عن وثائق تخص عمليات تهريب أموال ضخمة، تثبت تورط أفراد وشبكات جريمة منظمة، كان للإمارات دور فيها.

هذا الوضع، دفع مجموعة العمل المالي "فاتف"، لإدراج الإمارات، وهي مركز الأعمال في الشرق الأوسط، في قائمة الاختصاصات القضائية الخاضعة لزيادة المراقبة، والمعروفة باسم "القائمة الرمادية".

ويعني هذا الإجراء فرض مزيد من التدقيق من قبل مجموعة العمل المالي على الإمارات، حيث أن البلدان المدرجة في "القائمة الرمادية"، تخاطر بإلحاق الضرر بسمعتها، وتعديل التصنيفات الائتمانية، وصعوبة الحصول على تمويل عالمي، وارتفاع تكاليف المعاملات.

والقرار قد يكون أهم خطوة يجب أن تتخذها مجموعة العمل المالي في تاريخها الممتد ثلاثة عقود، بالنظر إلى مكانة الإمارات كمركز مالي إقليمي.

وتضم مجموعة العمل المالي، التي أنشأتها مجموعة الدول السبع الكبرى، نحو 20 دولة على قائمتها "الرمادية"، لتنضم الإمارات بذلك إلى دول مثل اليمن وسوريا وجنوب السودان. بينما تُدرِج إيران وكوريا الشمالية في القائمة السوداء.

عن ذلك، يقول الخبير الاقتصادي "عبدالحافظ الصاوي": "منذ سنوات والإمارات تعاني من ممارسات تتعلق بغسل الأموال، وهو ما جعل منظمات دولية تراقب الوضع عن كثب، لما يتهدد الوضع المالي العالمي من مخاطر".

ويضيف في مقاله على "الجزيرة نت": "الإمارات تعد مركزا ماليا إقليميا، وتمتلك نظاما اقتصاديا أكثر انفتاحا في العديد من الأنشطة، وهو ما يترك الباب مفتوحا لممارسة أنشطة غير مشروعة، ومن بينها غسل الأموال".

أسباب متعددة

وبالنظر إلى تاريخ المصارف في الإمارات وحاضرها، خصوصاً فيما يتعلق بعمليات غسل وتبييض الأموال القذرة والجرائم المالية، تقلب الصورة تماماً، لتظهر أن هذه الدولة هشة مصرفياً، وتغوص في أزمة كبرى مرتبطة بهذا الملف، ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

بل إن جزءا لا يستهان به من موجودات النظام المصرفي الإماراتي مرتبط بعمليات غير مشروعة، مثل غسل أموال ناجمة عن تجارة مخدرات وأسلحة، حسب متابعين للملف.

فعلى الرغم من أن معظم البلدان لديها حدود لمقدار العملة الصعبة التي يمكن أن تجلبها إلى البلدان، وذلك في إطار مكافحة غسل الأموال، إلا أن الأمور تختلف في دبي، حتى نجح رجال أعمال ومسؤولون سابقون في بلدانهم الدخول إلى البلاد من دون أن يسألهم أحد "من أين لك هذه الأموال؟".

ويفيد رئيس منظمة العدالة الضريبية "جون كريستنسن"، بأن معدل السرية في الإمارات يبلغ 86%، فهي تعد من أكثر الوجهات العالمية سرية لتبييض الأموال.

ويعتبر أن هذا الأمر مقصود؛ لأن السلطات الإماراتية لا تتخذ إجراءات فورية للسيطرة على الوضع.

ويوضح المدير المساعد السابق لوحدة مكافحة الجريمة المنظمة البريطانية "رود ستون"، أنه لا توجد ضرائب بالإمارات، كما أن الشركات يمكنها العمل بحرية، إذ يجري التغاضي عن تزوير الشركات ومنظمات الجريمة لوثائق الشحن المقدمة في المناطق الحرة للتعتيم على مصدر وقيمة ونوعية البضائع.

ويكشف المحقق السابق بوزارة الخزانة الأمريكية "جون كسارا"، عن طرق تهريب الأموال لطمس آثار افتقارها للشرعية، إذ يحاولون مراكمة التحويلات للتعتيم على مسارها، وكذلك شراء عقارات باهظة الثمن وسيارات فاخرة وقوارب وطيارات خاصة.

وكان تقرير صدر عن الخارجية الأمريكية في 2017، صنف الإمارات من بين "البلدان الرئيسية في مجال غسل الأموال".

وشرح التقرير أن هذا التصنيف يطال أي بلد "مؤسساته المالية تنخرط في معاملات نقدية تنطوي على مبالغ كبيرة من العائدات المتأتية من الاتجار الدولي بالمخدرات".

والإمارات هي البلد الخليجي الوحيد الذي دخل ضمن هذا التصنيف.

ونقاط الضعف الأخرى لغسل الأموال في الإمارات، تشمل القطاع العقاري، وإساءة استخدام تجارة الذهب والماس الدولية.

فيعد نشاط تجارة الذهب والماس في الإمارات من أكبر الأنشطة التي تحظى بعملية غسل الأموال، حيث تأتي كميات كبيرة من الدول الأفريقية، بشكل غير قانوني، وتستقر بدبي.

ورصدت العديد من التقارير تلك الظاهرة، منها التقرير السنوي للجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي، الذي رصد تهريب كميات من الذهب من جمهورية الكونغو في 2020، وكان للإمارات نصيب من تلك الأموال الخاصة بالذهب المهرب.

وبالإضافة إلى ذلك، تملك عقارات دبي سمعة سيئة كواجهة لغسل الأموال، حيث يتم شراء الشقق من قبل كيانات غير معروفة لا تعيش فيها.

الجانب المظلم

تحت عنوان "الجانب المظلم من دبي"، نشرت صحيفة "الجارديان" في 2010، تقريراً مطولاً عن عمليات تبييض الأموال في دبي.

ويشرح التقرير أن "ريش كومار جين"، وهو المليونير الهندي الذي يشتبه في كونه أحد أكبر غاسلي الأموال في العالم، قبض عليه في مدينة دلهي الهندية بعد دفعه كفالة في دبي، التي كانت مقر معظم إمبراطوريته الواسعة، واتهم بنقل مئات الملايين من الدولارات لتجار المخدرات.

وأفادت الأنباء، وفق الصحيفة، أن "جين" اعترف للشرطة الهندية أنه قام بغسل الأموال، ولكنه ينكر تورطه في تجارة المخدرات.

غير أن المحققين يعتقدون أن أعماله تستند إلى مبالغ ضخمة من الأموال النقدية التي نشأت في أفريقيا، ونقلها إليه مهربو الماس وتجار المخدرات، وأن معظم هذه التدفقات النقدية غير المشروعة نقلت إلى دبي.

بالنسبة للكثيرين، "جين" هو مثال يثبت أن الإمارات ليست مغمورة بالثروة النفطية، ولكنها مبنية على النقد والسيولة المالية غير المشروعة، وهي المكان الذي تقوم فيه المافيا الروسية وكارتلات المخدرات بتنظيف نقودها القذرة وتمول القاعدة الفظائع الإرهابية.

في عام 2016، خرجت وثائق إلى النور، وفق تقرير "ذا كليفر"، تقول إن الجنرال "توكور يوسف بوراتاي"، رئيس أركان الجيش النيجيري، كان يجري بعض المشتريات المثيرة للاهتمام داخل إمارة دبي باستخدام زوجتيه كواجهة.

كذلك، تم ذكر الإمارات في تحقيق حول خطة روسية واسعة لغسل الأموال، نفذت بين عامي 2011 و2014، وزعم أن الدولة الخليجية تلقت أكثر من 434 مليون دولار من هذه الأموال.

ووفقا للتحقيق، فإن الإمارات هي واحدة من 96 دولة تعاملت مع ما مجموعه 20.8 مليار دولار تم غسلها في عملية معقدة يديرها مجرمون روسيون.

مخاطر متوقعة

وإدراج الإمارات على "القائمة الرمادية"، يضعها أمام مجموعة من التحديات، على رأسها تحوط العديد من البنوك والمؤسسات المالية بالتدقيق الشديد تجاه كافة المعاملات المالية، عبر بنوكها وشركاتها ومختلف الأنشطة الاقتصادية الأخرى، ذات الطابع المالي، والتي يمتد نشاطها للخارج.

كما يتوقع أن يؤثر إدراج الإمارات على القائمة الرمادية، على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتي حققت فيها الإمارات 19.8 مليار دولار عام 2020، وبلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة التراكمية في الإمارات بنهاية عام 2020 نحو 174 مليار دولار.

وإدراج الإمارات على القائمة الرمادية يعرضها كذلك لإمكانية تخفيض تصنيفها الائتماني، وكذلك باقي مؤسساتها المالية، وعلى رأس تلك المؤسسات البنوك العاملة في البلاد.

ووفق وكالة "بلومبرج" الاقتصادية الأمريكية، فإن التصنيف الجديد على "القائمة الرمادية"، يمكن أن يمثل انتكاسة للإمارات، "في وقت تواجه فيه منافسة أكبر من المملكة العربية السعودية المجاورة، التي تعمل على تنمية أسواقها المالية، وتتخذ خطوات لجذب المزيد من الاستثمار".

وأضافت الوكالة أن "الإدراج الرمادي للإمارات سيجبر بنوكاً أمريكية تستخدم دبي كمقر إقليمي لها على تخصيص موارد إضافية للامتثال من أجل تجنب العقوبات المستقبلية من المنظمين الدوليين".

كما "يمكن أن يكون للقرار تأثير أيضاً على أبوظبي، موطن صناديق الثروة السيادية بأكثر من تريليون دولار من الأصول"، وفق الوكالة.

إجراءات صارمة

ورداً على الإدراج، قالت حكومة الإمارات إن لديها "التزاماً قوياً" بالعمل من كثب مع مجموعة العمل المالي في مجالات التحسين.

وذكرت الحكومة، في بيان، أن "الإجراءات الصارمة والتدابير المستمرة التي تتخذها حكومة الإمارات العربية المتحدة والقطاع الخاص قائمة لتأمين استقرار وسلامة النظام المالي للدولة".

وأشارت إلى أنها شددت في السنوات الأخيرة اللوائح للتغلب على صورتها كنقطة ساخنة للأموال غير المشروعة.

وأوضحت الحكومة أنها بذلت جهوداً كبيرة لتعزيز نظامها لمكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب منذ العام 2020.

وفي العام 2020، دعا تقييم أجرته مجموعة العمل المالي الدولية إلى "تحسينات أساسية وكبيرة" من قبل الإمارات لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وأسست الإمارات، العام الماضي، مكتبا تنفيذيا لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بعد إقرار قانون حول ذلك عام 2018.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

غسيل أموال تبييض أموال فاتق الإمارات المخدرات دبي أبوظبي

مليار دولار.. كشف غسيل أموال لصالح إيران عبر الإمارات

كيف تحولت الإمارات إلى مركز عالمي لغسيل الأموال؟

رويترز: أثرياء روس يهربون أموالهم إلى الإمارات خشية العقوبات الغربية

معهد أمريكي: الإمارات باتت ملاذا آمنا للأوليجارش الروس ويجب معاقبتها

بعد إدراجها في القائمة الرمادية.. الإمارات تستعين بمستشار إيطالي لمكافحة غسيل الأموال

تحقيق: لندن عاصمة الأموال القذرة في العالم

شرطة دبي تقبض على متورط بأكبر عملية غسل أموال في تاريخ الدنمارك

بعض أعضائها في دبي.. أحكام مشددة لشبكة غسل أموال دولية

أخطر مطلوب للدنمارك بقضية غسل أموال يطالب الإمارات بعدم تسليمه

لم تعد ملاذا آمنا للأثرياء.. الإمارات تبدأ تنفيذ أحكام المحاكم البريطانية