الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 09:34 ص

ذكرت دراسة أعدها مركز "كارنيجي للشرق الأوسط" أن استيلاء الجيش المصري على السلطة في عام 2013 حول دوره في الاقتصاد المصري، وأصبح يكبد البلاد كلفة باهظة، مشيرة إلى أن الارتفاع الهائل للمشروعات الضخمة في البنية التحتية العامة والإسكان الذي يديره الجيش منذ ذلك التاريخ يولد مبالغ كبيرة من "رأس المال المعدوم" والأصول العالقة، ويحول الاستثمار والموارد عن القطاعات الاقتصادية الأخرى.

جاء ذلك في دراسة أصدرها برنامج العلاقات العسكرية المدنية في الدول العربية، التابع للمركز، الإثنين، موضحا فيها مجموعة جديدة من التحليلات عن دور الجيش في الاقتصاد المصري وتأثيراته عليه.

وبحسب الدراسة، فإن تدخل القوات المسلحة المصرية في الاقتصاد شهد تحولا من حيث نطاقه وحجمه في عهد "السيسي"، لكنه يعكس افتقاره إلى مخطط اقتصادي واضح، ناهيك عن الفهم السليم لديناميات السوق، حيث يؤدي اهتمامه الأكبر بتوليد رأس المال مع الحفاظ على النظام السياسي إلى ظهور نسخة جديدة من رأسمالية الدولة المصرية.

وقالت الدراسة إن المؤسسة العسكرية تدعي أنها توظف 5 ملايين شخص، لكن جميعهم تقريبا يعملون في الواقع من قبل المقاولين المدنيين من القطاع الخاص الذين يعملون لصالح المؤسسة العسكرية، ما يشير إلى أن نهج "السيسي" قد يساعد في توليد النمو الاقتصادي وتحسين كفاءة المالية العامة، لكنه يعزز أيضا قبضة الدولة المصرية بدلا من تعزيز اقتصاد السوق الحر.

وقالت الدراسة إن القيمة الصافية للشركات العسكرية وللإنتاج العسكري للسلع والخدمات أقل بكثير مما يصفها كثيرون، لكنها أكبر بكثير مما كانت عليه قبل عقد من الزمن.

ويسمح النمو في الصناديق المالية التقديرية لوزارة الدفاع بزيادة المنافع وتعزيز الولاء في صفوف القوات المسلحة، وبناء احتياطي مالي لتمويل تطوير البنية التحتية العسكرية ومشتريات الأسلحة، والقيام بعمليات استحواذ وسائل إعلام والتبرع لهيئات مثل صندوق "تحيا مصر" الذي أنشأه "السيسي" للرعاية الاجتماعية والتنمية، وذلك خدمة للأغراض السياسية.

كما يخدم توسع النشاط الاقتصادي العسكري في 5 مجالات نموذج إدارة "السيسي" الآخذ في الظهور من رأسمالية الدولة: التطوير العقاري، وإنشاء مجمعات الصناعة والنقل، واستخراج الموارد الطبيعية، والعلاقات مع القطاع الخاص، وزيادة رأسمال القطاع العام بواسطة الاستثمارات الخاصة.

وتستنسخ المجالات الثلاثة الأولى جوانب من الاقتصاد الريعي في عهد الرئيس الراحل "محمد حسني مبارك"، لكن المجالين الأخيرين يشكلان تحولا أكثر جوهرية، حيث لا يعكس نهج "السيسي" استراتيجية متكاملة، بل يدل على تصميمه على توليد رأس المال عبر استخدام القوة المركزة للدولة، ورأس حربتها المؤسسة العسكرية.

انحدار متواصل

ووفق الدراسة؛ يتواصل الانحدار في مصر وفق جميع المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الرئيسية، مقارنة بمجموعة نظرائها، نتيجة لهذا التدخل العسكري في الاقتصاد، موضحة أن مصر تقوم بتخصيص مخطئ للاستثمارات العامة في مشاريع البنية التحتية الكبيرة والقطاعات غير المنتجة وصناعة الدفاع غير الكفؤة، ما أدى إلى تكبد تكلفة باهظة على حساب رفاهية المصريين العاديين.

وقالت إن دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري أصبح أكبر وأكثر غموضا، مع آثار سلبية على ما يبدو، ولا سيما عندما نضع في الاعتبار الوضع المتدهور لمصر في الاقتصاد العالمي من خمسينات القرن الماضي حتى اليوم.

ومع النمو السريع للسكان الذين يزيد الآن عددهم على 100 مليون نسمة غالبيتهم من الشباب، فإن العواقب السياسية لمثل هذا التدهور قد تكون خطيرة، فعدم توافر الوظائف، مقرونا برغبة المؤسسة العسكرية في السيطرة على الفضاء السياسي والاقتصادي، هو وصفة للارتطام بطريق سياسي مسدود، أو لما هو أسوأ من ذلك: اندلاع تمرد.

ورجحت الدراسة عدم نجاح المؤسسة العسكرية كمنقذ اقتصادي لمصر، مشيرة إلى أن المؤسسة العسكرية تواجه توقعات كبيرة تتعلق بالاحتياجات المتزايدة للشعب، لكنها لا تتمتع بالرشاقة والإبداع والقدرة على القيام بذلك.

وقالت إن فشل مصر سيكون هائلا لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكملها ويستحق الاهتمام السياسي، لكن استعداد المجتمع الدولي لقبول "السيسي" كقوة استقرار وتجاهل الأزمة الاجتماعية والاقتصادية -وربما السياسية- التي تلوح في الأفق والتي تواجه مصر هي حقيقة قائمة لكن قصيرة النظر.

ابتزاز أكبر

وذكرت الدراسة أن المؤسسات التجارية العسكرية في مصر لم تعد صندوقا أسود، ما يفتح آفاقا جديدة لفهم حجم الهدر والفساد في أكبر دول العالم العربي من حيث السكان، حيث لم يكن التحول الدراماتيكي للاقتصاد العسكري في عهد "السيسي" نتيجة لاقتصاد سياسي يطغى عليه الجانب العسكري بشكل متزايد، بقدر ما هو نتيجة لتسلسل هرمي للضباط يسعى إلى ابتزاز أكبر قدر ممكن من الامتيازات خلال عهده (المحدود ربما) في السلطة.

وأضافت أن الميزة الرئيسية للمؤسسة العسكرية في هذا الاستيلاء على موارد الدولة تتمثل في أن العديد من المصريين يتذكرون الفساد الباذخ في عهد "مبارك"، وكذلك مشاركة المؤسسة العسكرية في بناء العديد من المؤسسات العامة الأكثر أهمية في مصر في عهد الرئيس الراحل "جمال عبدالناصر"، بعبارة أخرى، استغلت المؤسسة العسكرية المصرية التاريخ الوردي والفرصة الاقتصادية السانحة للظهور كنواة لطبقة حاكمة جديدة في مصر.

وأدى عدم الاتساق والطابع غير الرسمي والافتقار العام إلى البيانات حول العمليات الاقتصادية للقوات المسلحة المصرية إلى صعوبة مقارنتها بالمؤسسات العسكرية الأخرى ذات المحافظ الاقتصادية.

وقالت الدراسة إن حزمة الإصلاحات التحريرية التي يوصي بها عموما لزيادة الكفاءة الاقتصادية (مثل الخصخصة والتحرير) لن تزيح المؤسسة العسكرية عن سلطتها، ولن توطد بطريقة ما نفوذ مجموعة من نخب القطاع الخاص الليبرالية التي تنتظر أن تحل محل المؤسسة العسكرية.

وأشارت إلى أنه يمكن للمؤسسة العسكرية أن تواصل حشد الدعم من المصريين لأن عملها على توفير الخدمات الجماعية مثل البنية التحتية والسلع الأساسية والرعاية الصحية أكثر وضوحا لعامة الناس من أنشطة الفساد والاحتيال والهدر التي تمارسها هذه المؤسسة، لكن الانتقال إلى حكم المؤسسة العسكرية في العام 2013 ربما يكون بمثابة بداية النهاية لحقبة المؤسسة العسكرية في السلطة، حيث يزيد دمج الطبقة الحاكمة الجديدة من فرص ظهور فسادها وعدم كفاءتها.

ومنذ تولي الرئيس الحالي "عبدالفتاح السيسي" السلطة في مصر عقب انقلاب عسكري عام 2013، أحكم الجيش سلطته على العديد من القطاعات الاقتصادية.

ولا تزال العديد من القطاعات تخضع لسيطرة الجيش الآخذة في التزايد، بما في ذلك العقارات والمياه المعدنية والأجهزة المنزلية ومحطات البنزين واللوحات الإعلانية وإنشاء الطرق ومصانع الإسمنت والأدوية والمنتجعات والمدارس الدولية، وغيرها.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات