الأحد 31 يوليو 2016 08:07 ص

قال مسؤولون كبار في جهاز الاستخبارات التركي أنه، وقبل أشهر من الانقلاب، اخترق جهاز المخابرات في البلاد غرف الدردشة على شبكة الإنترنت ونجح في فك شفرة الملايين من الرسائل السرية، ولكنه لم يعثر على أي أثر لهذه المؤامرة.

فحص وكلاء جهاز الاستخبارات جميع الإشارات التي تشير إلى انقلاب محتمل. فحص المحللون خطب الفيديو لرجل الدين الذي تدعي الحكومة أنه قاد المؤامرة، إلى درجة أنهم اختبروا إذا ما كان لون ثيابه يشير إلى تعليمات سرية لأتباعه.

كافح الوكلاء الأتراك لفهم القرائن التي لم يبد أنها تشير إلى الكثير حتى شاهدوا المؤامرة التي كانوا يخشونها تتجسد أمامهم ليلة 15 يوليو/تموز.

الفشل في الكشف عن الانقلاب كشف عن أوجه القصور في أداء المخابرات التركية التي يزعم أنها تدير برنامج مراقبة واسعة النطاق تدعي المعارضة أنه يهدف إلى حماية الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان».

وقد زاد من تحدي غربلة السيل اليومي من الاتصالات الإلكترونية استخدام المتآمرين لتطبيقات مشفرة نجحت في تضليل وكالة المخابرات على مدار عدة أشهر. كما أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، التي يغلب على عملها مع المخابرات التركية حالة من عدم الثقة، لم تر بدورها أي بوادر على عملية الانقلاب.

اتهمت السلطات التركية رجل الدين المقيم في ولاية بنسلفانيا «فتح الله كولن» بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، وشنت حملة تطهير ضد عشرات الآلاف من شركائه المزعومين. وأضافت مطالبات تركيا للولايات المتحدة بتسليم «كولن» إلى حصيلة التوتر القائم بين البلدين.

من جانبه، ينفي السيد «كولن» ومنظمته، الخدمة، أي دور له في عملية الانقلاب ويزعم أن «أردوغان» قام بنفسه بتدبير المحاولة من أجل تبرير ممارساته الديكتاتورية، وهو ادعاء نفاه الرئيس بدوره.

وقال «ألب أصلان دوجان»، الذي يتحدث نيابة عن «كولن»، إن الادعاءات حول مسؤولية السيد «كولن» عارية عن الصحة، وأنه حتى إن كان بعض المتعاطفين معه شاركوا في محاولة الانقلاب فإنهم فعلوا ذلك دون توجيهات مباشرة منه. سعى الإمام مرارا وتكرارا أن ينأى بنفسه عن الانقلاب، الذي وصف المشاركين فيه في افتتاحية صحفية هذا الأسبوع بأنهم «خانوا تعاليمه».

ويقول مسؤولون أميركيون إنهم يشتبهون بمشاركة أتباع السيد «كولن»، ولكنهم ليس لديهم القدرة على الوصول إلى المصادر الأولية في تركيا للوقوف على حقيقة مشاركته. حتى الآن، على حد قولهم، لا يوجد أي دليل موثوق على مشاركة السيد «كولن» بشكل شخصي.

وأعرب بعض حلفاء تركيا الغربيين عن قلقهم بأن «أردوغان» يقوم بتوسيع عملية التطهير بشكل يتجاوز المشاركين في محاولة الانقلاب المزعومة.

التحالف المنهار

قبل فترة طويلة من تحويل وكالة الاستخبارات التركية أنظارها صوب السيد «كولن»، كان هو و«أردوغان» بمثابة شركاء. ورغم أن كل منهما يحمل فلسفة إسلامية مختلفة ولكنهما عملا معا ابتداء من أواخر التسعينيات لأجل الاستيلاء على السلطة من المؤسسة العلمانية في تركيا. قام «أردوغان» بمنح أتباع «كولن» مواقع مرموقة في البيروقراطية التركية لأجل تعزيز نفوذه.

في ذروة الشراكة في عام 2010، ساعد أتباع «كولن» في الشرطة والقضاء والإعلام في سجن المئات من كبار الضباط العسكريين الذين اتهموا بالتخطيط لانقلاب يهدف إلى الإطاحة بالحكومة. تم إلغاء أحكام الإدانة في وقت لاحق بعد أن تم الكشف عن أن بعض الأدلة كانت ملفقة. وقال مسؤولون أتراك وأمريكيون إن هذه المحاكمات مهدت الطريق أمام أتباع السيد «كولن» لارتقاء مواقع مرموقة في الجيش التركي.

وفي عام 2012 انهار التحالف بين «أردوغان» و«كولن» مما أثار الخلاف الذي وضع أنصار «كولن» تحت عدسة رئيس المخابرات التركية «هاكان فيدان». داخل جهاز المخابرات التركية، قضى مجموعة من كبار المحللين أيامهم في جمع المعلومات الاستخباراتية حول السيد «كولن» وأنصاره وفي تحليل خطبه سواء كلماته أو حتى إيماءاته الخفية المزعومة.

تسبب السيد «كولن» وأتباعه في إحباط جهاز المخابرات لفترة طويلة. ومع إدراكهم للرقابة المفروضة عليهم، فإنهم قاموا بتطبيق معايير صارمة في الاتصالات تم وضعها من قبل الخبراء القدامي في الاستخبارات العسكرية.

توقف الزعيم الديني عن استخدام الهواتف، وكان يكتفي بتوجيه التعليمات إلى كبار مستشاريه أثناء زياراتهم له في بنسلفانيا. طلبت أنقرة من واشنطن منع أتباع السيد «كولن» من دخول الولايات المتحدة، ولكن واشنطن لم تكن تعتقد أنهم يمثلون خطرا.

من أجل تجنب الكشف عن أنشطتها، بدأت الجماعة في عام 2014 في استخدام تطبيق (BYLOCK) وهو تطبيق للرسائل المشفرة، وفقا لمسؤولين كبار في الاستخبارات التركية. اكتشف جهاز المخابرات هذه الممارسة في الشتاء الماضي وبدأت عملية شاقة من فك تشفير الرسائل، والتي قدر عددها بالملايين. تم التوصل في النهاية إلى 40 ألف اسم من بينهم 600 من كبار ضباط الجيش، يشتبه في اتصالاهم مع الجماعة.

ولكن أيا من تلك الرسائل لم يشر إلى محاولة الانقلاب، وفقا لما أخبرنا به مسؤول كبير في الاستخبارات التركية.

لمست وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تزايد المعارضة السياسية ضد «أردوغان». وقامت بتصنيف تركيا على أنها واحدة ضمن قائمة البلدان المعرضة لخطر عدم الاستقرار السياسي، ولكنها لم تتوقع حدوث انقلاب.

في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة تركز على جمع المعلومات الاستخباراتية حول تركيا وعلاقتها مع تنظيم الدولة الإسلامية والتهديدات الإرهابية الأخرى وليس حول الجيش التركي.

وقال مسؤولون كبار في المخابرات التركية أنه بعد فترة وجيزة من نجاهم في فك شفرة الرسائل، أدرك مسؤولون في جماعة «كولن» أن التطبيق تم اختراقه وسرعان ما حولوا أنشطتهم إلى تطبيق آخر ظل عصيا على الاختراق. في أوائل الربيع، قامت وكالة الاستخبارات بمشاركة بعض الملفات التي حصلت عليها مع الوزارات الحكومية الأخرى. وقال مسؤولو الاستخبارات أن أتباع السيد «كولن» أدركوا حينها أن مراسلاتهم تم فك تشفيرها.

وبعد ذلك بأيام في 21 مارس/أذار، رأى محللون أتراك مقطع فيديو على يوتيوب يظهر السيد «كولن» وهو يرتدي رداء كاكي اللون، شبيه للذي يتم ارتداءه في الجيش. وقد اعتقد المحللون أنه كان يرسل رسالة ما إلى أتباعه في الجيش لكن لم تكن لديهم فكرة حول طبيعتها. وقال شخص مقرب من جماعة «كولن» أن هذه التكهنات كانت بلا أساس.

كشف المؤامرة

قبل أربعة أيام من الانقلاب، أحالت وكالة المخابرات التركية أسماء الضباط الـ600 المشتبه بهم إلى هيئة الأركان الخاصة بالجيش. وكانت الخطة أن يتم إقصاؤهم خلال الاجتماع السنوي لقيادة الجيش في شهر أغسطس/آب.

في وقت متأخر من بعد ظهر يوم 15 يوليو/تموز، حصل محللو الاستخبارات على معلومات حول تحركات غير عادية للقوات في أكاديمية أنقرة الجوية، فضلا عن قاعدة أكينسي الجوية التي تقع على بعد 30 ميلا شمال غربي العاصمة. أعدت الاستخبارات تقريرا موجزا تم إرساله عبر الفاكس إلى قيادة أركان الجيش. في حوالي الساعة 5:30 مساء توجه نائب رئيس جهاز الاستخبارات إلى قيادة الأركان لمشاركة أول تقرير مباشر بشأن الشكوك حول تحركات القوات.

زار أحد كبار القادة الأكاديمية الجوية. ووجد أن طائرات الهيلوكبتر الهجومية كانت مزودة بصواريخ، وقيل إن ذلك كان لأغراض التدريب ولكن الشكوك تزايدت. وفي تمام الساعة السادسة مساء قام السيد «فيدان» بنفسه بزيارة لمقر قيادة الجيش. ووافق الجنرال «خلوصي آكار» رئيس الأركان أن يقوم بزيارة شخصية إلى قاعدة أكنيسي الجوية.

عاد السيد «فيدان» إلى مقر المخابرات وانتظر لإخبار «أردوغان» الذي كان يقضي أجازة على شاطئ المتوسط.

لم يأت تقرير السيد «أكار» أبدا. تم اقتياده كرهينة. وقد أخبر لاحقا أن أحد الجنرالات المتورطين في المؤامرة حثه على التحدث إلى السيد «كولن» ولكنه رفض.

قبل الساعة التاسعة، كان من الواضح أن شيئا دراميا يجري التحضير له على قدم وساق. وبعد نحو ساعة، وصلتا لقوات المشاركة في الانقلاب إلى مقر وكالة المخابرات. اثنان من طائرات الهليوكوبتر «سوبر كوبرا» وثلاثة من حاملات القوات «سكورسيزي» محملة بالقوات الخاصة المدججة بالمدافع النارية. ظل السيد «فيدان» في الخارج خشية قيام القوات بقصف المبنى. وقد اختبأ هو وموظفوه بين الأشجار تحت حماية فرق أمنية مسلحة.

بعد نزول القوات الموالية للانقلاب، قام موظفو الوكالة حتى خفيفي التسليح منهم بإطلاق نيران مسدساتهم. كانت تعليمات السيد «فيدان» واضحة: «القتال حتى آخر رصاصة وأنهم لا ينبغي أن يظفروا بأحد على قيد الحياة».

قرابة الساعة الثانية صباحا بدأ أعضاء الفريق الأمني ​​التابع للمخابرات في صد طائرات الهليكوبتر بالرشاشات. لاحقا قام المدافعون عن المخابرات والقصر الرئاسي في استخدام صواريخ تطلق من الكتف.

بعد أن تم إحباط محاولة الانقلاب وبخ «أردوغان» جهاز المخابرات على الملأ ما أثار تكهنات حول مستقبل رئيسه السيد «فيدان». وأكد «أردوغان» أنه: «ليس هناك جدوى من محاولة إنكار وجود قصور في أنشطة الاستخبارات». «هذا النوع من محاولات الانقلاب المسلحة ليست شيئا يمكنك التخطيط في 24 ساعة. سوف نستخلص العبر من كل ذلك نتخذ ما يلزم من الخطوات».

وقال مسؤولون في جهاز المخابرات أنهم فعلوا أفضل ما يمكن فعله لجمع المعلومات الاستخباراتية من شبكة متطورة من المتآمرين.

ويضيف أحد المسؤولين بالقول: «إذا لم نقم بمطاردة هذه الشائعات ووضع احتمالية حدوث محاولة انقلاب نصب أعيننا، لربما كنا ميتين الآن أو نقبع في السجون». «كان هذا فشلا في كامل نظامنا الأمني وليس في جهاز المخابرات».

اقرأ أيضاً

«أردوغان»: على أمريكا أن تلزم حدودها .. وهناك دول لم تهنئنا وقفت مع الانقلاب

فشل الانقلاب: الطبقة الوسطى المتدينة ترسم مستقبل تركيا على حساب النخبة الكمالية

«فورين أفيرز»: لماذا فشل الانقلاب العسكري في تركيا ونجح في مصر؟

«واشنطن بوست»: لماذا فشل الانقلاب الأخير في تركيا؟

«هاكان فيدان».. يد «أردوغان» الضاربة في الداخل والخارج

كاتب تركي: الفلاحون والعمال وأصحاب المحلات وربات البيوت أنقذوا الديمقراطية

«سعيد الحاج» يتحدث لـ«الخليج الجديد» عن توقعاته للسياسة الخارجية التركية بعد محاولة الانقلاب

القبض على 11 عسكريا حاولوا احتجاز «أردوغان» أثناء محاولة الانقلاب

«محمود أفندي».. الجماعة الصوفية التركية التي شنت أشرس هجوم على قوات الانقلابيين

وزير تركي: محاولة الانقلاب الفاشلة كلفتنا 100 مليار دولار

ناشط تركي: روح «رابعة» سمت مجددا في ميادين الحرية بتركيا

«أردوغان»: يمكن دمج أجهزة المخابرات التركية في مؤسسة واحدة

«يلدريم» أمام «حشد الشهداء»: نعيش اليوم كيوم فتح اسطنبول على يد «محمد الفاتح»

تركيا تطيح بسفيرها لدى أبوظبي على خلفية حملة التطهير الواسعة

تركيا تقرر الإفراج المشروط عن 38 ألف سجين لإيجاد أماكن للانقلابيين

ألمانيا تتهم تركيا بأنها مركز «الجماعات الإسلامية» وأنقرة ترد: «عقلية مشوهة»

المصدر | وول ستريت جورنال